استخدام القوة في القانون الدولي المعاصر

استخدام القوة في القانون الدولي المعاصر

استخدام القوة في القانون الدولي المعاصر

يتصف موضوع استخدام القوة في القانون الدولي بأنه من أكثر موضوعات القانون الدولي جاذبية ومتعة، لكنه في المقابل من أكثرها إثارة للشكوك والخلاف حول فعالية القانون الدولي، وأحيانًا حول حقيقته ووجوده.

وقد بات هذا الموضوع من الموضوعات التي تتبوأ سُدَّة الفكر القانوني والخطاب السياسي المعاصرين، بعد أن كان قبل عقد من الزمن أو أكثر من الموضوعات المحسومة والساكنة في آنٍ معًا.

انصبت هذه الدراسة على تحليل سلوك الدول ومواقفها داخل أجهزة الأمم المتحدة وخارجها، ولعل أكثر الصعوبات التي واجهت هذا التحليل تكمن في عمومية نصوص ميثاق الأمم المتحدة الناظمة لموضوع استخدام القوة في العلاقات الدولية، وهو ما ترك للدول هامشًا واسعًا لتقديم تفسيرات متنوعة ومتشعبة، بل وقلقة أحيانًا. فالدول جميعها التي استخدمت القوة كانت حريصة على تبرير سلوكها وإظهاره بمظهر المتفق مع أحكام القانون الدولي.

ومن الصعوبات الأخرى اتساع حجم وعدد الصكوك والوثائق الدولية المتعلقة بموضوع البحث. وإذا كانت الشبكة المعلوماتية (الإنترنت) قد يسّرت الاطلاع على جزء منها، فإن الجزء الآخر استلزم جهدًا كبيرًا للحصول عليه، وهو ما تحقق في نهاية المطاف.

لا ينكر أحد أن القانون الدولي ما زال عاجزًا عن ضبط سلوك كثير من الدول في مجال استخدام القوة، كما لا ينكر أحد أن هناك فجوة آخذة في الاتساع بين النظرية والممارسة الفعلية للدول في هذا المجال. ولكن هل يعني وجود مثل هذه الفجوة غياب فاعلية القانون الدولي؟ أم أن ذلك يشير إلى اختلاف معايير التطبيق؟

إن فاعلية أي قانون لا تتحقق تمامًا بمجرد امتثال الدول لأحكام القاعدة القانونية، فبعض الدول تسعى سعيًا حثيثًا إلى الظهور بمظهر الدولة المحترِمة للقانون الدولي، بينما تعمل في الواقع—وخاصة في مجال تحريم استخدام القوة—على تبرير سلوكها وإضفاء الشرعية عليه.

ولمناقشة ما سبق، فإن هذا الكتاب يحفر بعمق في هذه الإشكاليات، ويقسم جهوده على فصلين رئيسيين. يلتزم الفصل الأول بالحديث عن الاستخدام المنفرد للقوة، وتحريمها، والاستثناءات المعترف بها من مبدأ تحريم استخدام القوة، إضافة إلى التدخل العسكري الذي قد يُطلب من دولة مختصة إقليميًا.

أما الفصل الثاني، فيتناول الاستخدام الجماعي للقوة، سواء في إطار الأمم المتحدة أو في إطار المنظمات الإقليمية. ويُختتم الكتاب بالتساؤل الجوهري: هل من المناسب إسناد دور حظري أو مانع للقانون الدولي في مراقبة سلوك الدول وضبطه؟ أم أن خرق القانون الدولي وعدم الامتثال لأحكامه بات أمرًا مألوفًا في الممارسة الدولية المعاصرة؟